page contents
 
من البديهي القول ان اولوية اية حكومة استلمت زمام الامور في الاردن هي ايجاد الحلول الشاملة و الجذرية لمشاكل الفقر و البطالة المرتبطة مباشرة بمبدا العدالة الاجتماعية.  فان كتب التكليف السامية و رد الحكومات عليها ركزت الى جانب امور محورية اخرى على ضرورة خلق فرص عمل و القضاء على جيوب الفقر، و بالتالي رفع المستوى المعيشي الكلي في المملكة و تحقيق التنمية الشاملة و المستدامة.  و هنا يجب علينا طرح سؤال مهم و مفصلي هو: ماذا بوسع الحكومة تطبيقه من سياسات و ما هي الادوات المالية و النقدية المتاحة من اجل معالجة مشاكل الفقر و البطالة؟

الجواب، باعتقادي، هو ان الحكومة الاردنية من خلال اختيارها للسياسات الاقتصادية العامة المطبقة حاليا و التي ترتكز على استقرار الاسعار و بالاخص سعر صرف العملة قيدت قدرتها على استغلال كافة و مختلف الادوات الاقتصادية اللازمة من اجل ايجاد حلول عملية و مجدية لمعالجة تلك المشاكل، و ان نتيجة هذه السياسات اخضاع سيادة الدولة الاقتصادية لمبدأ استقرار سعر صرف العملة و الاسعار اجمالا.

ان الحكمة المفترضة من وراء هذه السياسات المتبعة هي خلق جو استثماري جذاب قادر على تحفيز الاستثمارات المحلية و  استقطاب الاستثمارات الاجنبية التي تسفر عن خلق فرص عمل و تقليص البطالة. و لكن و من اجل المحافظة على سعر صرف العملة يجب على الحكومة ان تحتفظ بكمية هائلة من العملات الاجنبية لضمان سعر الصرف.  و مخزون العملات الاجنبية ياتي اساسا نتيجة فائض في الحساب الجاري للدولة، و في حال و جود عجز في ذلك الحساب، يجب تعويضه من خلال استثمارات اجنبية او اللجوء للاقتراض الخارجي او انتظار المساعدات الدولية لكي لا يتم استنزاف احتياطي العملات. 

فان سياسة ربط العملة في ظل عجز في الحساب الجاري تفرض على الحكومة خلق مناخ استثماري جذاب قادر على استقطاب ما يكفي من استثمارات اجنبية لتغطية العجز في الحساب الجاري مما يعني في اطار المنظومة الاقتصادية الحالية تحرير الاسواق و دعم التجارة الحرة و زيادة مرونة سوق العمل. و لكن لم تستطع الاردن بشكل عام من استقطاب الاستثمارات المنتجة ذات القيمة المضافة العالية و التي تخلق اكبر عدد من الوظائف و تساعد في تحسين الحساب الجاري، و بالتالي لم تنجح في دعم سعر صرف العملة. و لذلك لجأت الحكومة لسياسة رفع اسعار الفائدة من اجل رفع القيمة الادخارية للدينار و بالتالي زيادة الطلب عليه مما يدعم استقرار سعر الصرف. و لكن سياسة رفع سعر الفائدة تتناقض مع سياسة استقطاب الاستثمارات للقطاعات المنتجة و التي غالبا ما تحتاج لتمويل اعتمادي الذي يستهلك جزءا كبيرا من العائدات في ظل كلف تمويلية مرتفعة. و بالتالي نري تناقض في السياسات التي تهدف الى استقرار سعر صرف العملة، فضلا عن فشل هذه السياسات في تحقيق مبدا التشغيل الكامل للقوة العاملة من اجل القضاء على الفقر، بل ان هذه السياسات تقوض النمو الاقتصادي الحقيقي المصحوب بالتنمية الشاملة.

وعندما تفشل سياسة استقطاب الاستثمارات المنتجة و عدم القدرة على تحسين وضع الحساب الجاري يترتب على الحكومة ضرورة اللجوء للاقتراض الخارجي الذي يحمل الدولة عبئا اضافيا يجب تمويله مستقبلا من خلال المزيد من الاقتراض، و بالتالي يعرض الاردن لما يسمى بفخ الاقتراض، حيث ان على الحكومة اللجوء الى الاقتراض من الاسواق و المؤسسات العالمية من اجل تغطية الالتزامات الحالية، مع تجديد العملية عندما يحين موعد سداد احد الديون، وبالنتيجة زيادة مستمرة في الدين العام للدولة و بالاخص الدين الخارجي.

و يمكن ايضا ان ندرج سياسة الخصخصة لممتلكات الدولة تحت بند سياسة استقرار الاسعار من خلال ربط الدينار حيث ان احدى مبررات الخصخصة هي جذب الاستثمارات الاجنبية التي تاتي بالعملات الصعبة من اجل تخفيض عبء المديونية الخارجية، و لكن هذه السياسة حتى و لو افترضنا انها نفذت بالشكل الصحيح و لم تشوبها شبهات الفساد لا يمكنها ان تستقطب الكمية الكافية من العملات الصعبة لتسديد الديون بالكامل و ان تخرج الحكومة من فخ الاقتراض.

و بالنتيجة فان سياسة ربط العملة و بالتالي استقرار الاسعار التي جعلتها الحكومة اولوية اقتصادية و بتوصية من مؤسسات الاقراض العالمية بذريعة دفع الاقتصاد الى الامام من خلال تحفيز الاستثمارات الاجنبية و خلق بيئة جذابة لرؤوس الاموال لا يمكنها ان تعالج المشاكل الاخطر على الامن الاقتصادي التي تتلخص بالفقر و البطالة.  فان الثمن الذي يدفعه الاقتصاد و بالتالي المواطن من اجل سياسة ربط العملة اعلى بكثتر من القيمة المضافة للاقتصاد الوطني التي تنحصر بتوفير بيئة اقتصادية يسهل لرؤوس الاموال استغلالها من اجل تحقيق عوائد قصيرة المدى بعيدة عن الانتاجية الحقيقية، او استغلال استقرار الاسعار و مرونة الاجور لاستغلال العمالة المحلية التي يمكن الاستغناء عنها بسهولة اذا ما طالبت بحقوقها على اكمل وجه. و الخطر من هذه السياسة  في ظل العولمة و سهولة تنقل رؤوس الاموال هو اضطرار الحكومة لتقييد النمو خاصة في الاجور من اجل المنافسة في السباق الى الاسفل مع الدول النامية الاخرى لاستقطاب الاستثمارات الاجنبتة، و تدني الدخل المتاح من اجل الحد من الواردات و تقليص عجز الميزان التجاري، و بالتالي فان نجاح سياسة استقرار الاسعار و ربط العملة مرتبط بالحد من النمو الحقيقي للاقتصاد. 

 و من ناحية الادوات الاقتصادية المتاحة للحكومة من اجل القضاء على الفقر و البطالة فان الحكومة وفي سبيل اولوية استقرار الاسعار و ربط العملة قد اخضعت جميع الاهداف الاقتصادية و وضعت حدا لقدرتها على المساهمة في تنشيط و تنمية الاقتصاد لان الحكومة محصورة في اتباع السياسات التي ذكرت آنفا. و اهم الادوات الاقتصادية المعنية بتنشيط الاقتصاد التي تقيدها السياسة الاقتصادية الحالية هي الادوات المالية مثل زيادة نفقات الدولة المعنية بزيادة صافي دخل الفرد، لا سيما الاقل حظا، من اجل زيادة الطلب الكلي الذي يحرك الاقتصاد الوطني الى الامام.  فان الحكومة غير قادرة على زيادة النفقات و زيادة العجز في الموازنة العامة لان عجز الحكومة مرتبط مباشرة باحتياطي العملات الاجنبية جراء سياسة ربط العملة و بالتالي فقدان الحكومة السيادة في استخدام العملة المحلية و تحديد الاولويات الاقتصادية.

و بالمحصلة فانه ليس باستطاعة الحكومة تطبيق اية برامج او سياسات فعالة لحل معضلة الفقر و البطالة في ظل المنظومة الاقتصادية المتبعة لان هذه المنظومة تتطلب تطبيق سياسات نتيجتها الكلية تقويض النمو و التنمية الحقيقية. و المشكلة الحقيقية تكمن في النظريات الاقتصادية اللتي تسمى بالليبرالية و اللتي تشكل اساس السياسات الاقتصادية الراهنة. فعلى الحكومة اعادة النظر في السياسة العامة للاقتصاد الوطني و النظريات التي تولد هذه السياسات و اعادة ترتيب الاولويات و تطبيق سياسات ترتكز على القضاء على البطالة و الفقر بالمرتبة الاولى.  و يجب ان تتضمن هذه السياسات اعادة الولاية العامة قي ادارة الاقتصاد الوطني للحكومة من حيث تمكينها من تطبيق الادوات المالية و الاقتصادية باكمل حرية بعيدة عن اية قيود سياسية او اقتصادية داخلية او خارجية.   لان المنظومة الاقتصادية المتبعة حاليا في الاردن لا يمكنها ان تاتي بحلول حقيقية من اجل معالجة جذرية لمشاكل الفقر و البطالة، و في غياب تغيير هذه المنظومة فان التزام الجكومة لتحسين الوضع المعيشي للمواطنين كافة سيبقى مجرد شعارا فارغا.

 


Comments




Leave a Reply